حكايات ناظر المحطة : حكاية زهرة

فى ليلة باردة من ليالى الشتاء، يجلس أمين المحولجى فى كشك التحويلة على احدى المحطات التابعة للسكة الحديد، ويشعل امامه كومة صغيرة من الخشب، يتدفئ عليها وأمامه على النار براد لاعداد الشاى، وسط ظلام الليل، وأصوات القطارات بين الحين والأخر، وصفير الرياح يجلس أمين الذى تعدى الاربعين من العمر وحيدا فى نوبة عمله الليلية يراقب القطارات ذهابا، وإيابا، ورغم أن التحكم فى تحويل القطارات أصبح أتوماتيكيا الا أنه فى هذه المنطقة مازال يدويا.




المنظر الأول من فى كشك التحويلة

 وجلس أمين امام النار بعد أن قام بالتحويلة للقطار القادم وقفل المزلقان، وأنتظر حتى مر القطار بسلام،  وقام بفتح المزلقان أمام السيارات التى كانت تقف تنتظر العبور، ومازال هناك عدة ساعات حتى موعد القطار التالى، لذلك اشعل أمين النار، وجلس لاعداد كوب من الشاى، وبينما هو جالس يفكر  ومستغرقا فى التفكير، دخل عليه ناظر المحطة فى نوبة تفتيش مفاجئة للتأكد من وجوده متيقظا فى نوبة عمله.

فرحب أمين بناظر المحطة، وبعد أن أطمئن من أن أحوال العمل على ما يرام هم بالمغادرة،  ولكن أمين أصر عليه لتناول كوب من الشاى، وبالفعل جلس ناظر المحطة يتجاذب أطراف الحديث مع أمين بينما يقوم الأخير باعداد الشاى، وفى محاولة لقضاء جزء من الليل الطويل فى السمر، سأل أمين ناظر المحطة الذى كان على مشارف الستينات، انه بعد كل هذه المدة من العمل فى السكة الحديد من المؤكد أنه قد مر عليه الكثير من القصص والحكايات، فتبسم ناظر المحطة، وهز رأسه بالموافقة، وأجابة بأنه مر عليه الكثير والكثير من الحكايات، فطلب منه أمين أن يحكى له أحدى هذه القصص حتى يستمتع بالجلوس مدة أطول مع الناظر، فوافق الناظر وقال له سأحكى لك قصة زهرة. 

المنظر الثانى فى قطار الصعيد 

يحكى ناظر المحطة عم صابر عبد الدايم، وهو جالس يحتسى كوب الشاى مع أمين المحولجى، اثناء رحلة عملى فى محطة السكة الحديد مرت على الكثير من الحكايات العجيبة، والتى شاء القدر أن أكون شاهدا عليها، ومن بين هذه الحكايات قصة زهرة، وكانت القصة منذ عشرات السنين، وكنت فى تلك الفترة اعمل محصل (كمسارى) على قطار الصعيد، وأثناء مرورى على الركاب للتفتيش على تذاكرهم، توقفت أمام رجلين يبدو أنهما من قلب الصعيد وتجلس فى المقعد المقابل لهما فتاة تشبه القمر فى ليلة تمامه، وتجلس يبدو عليها علامات الحزن الشديد، ونظرت اليها وقد لمحت دموع تحاول أن تخفيها عن الرجلين التى تجلس معهما، وتركتهم بعد ان أشرت على تذاكرهم، ومضيت اكمل التفتيش على باقى المسافرين.

وانهيت المهمة فى هذه العربة، واستدرت لأعود من حيث أتيت فوقعت عيناى على الرجلان، يغطان فى نوم عميق، والفتاة تحاول التسلل من أمامهما حريصة على عدم إيقاذهما، وكانت تسير أمامى ولم أقصد أن أتبعها ولكنه طريقى، فإذا بالفتاة تتجه نحو باب القطار المفتوح فى الفاصل بين العربتين للقطار، فوجدت نفسى اسرع نحوها، فاذا بالفتاة تحاول أن تلقى بنفسها، ولكنى نجحت فى الوصول اليها قبل أن تفعل ذلك. ونظرت خلفى فلم أجد أن أحد قد لاحظ ما حدث، فاخذت الفتاة إلى العربة الأخرى والتى تكاد أن تكون فارغة، وسألتها لماذا فتاة محجبة مثلك تقدم على ذلك الأمر الذى يحرمه الله، وانتى تبدين على على قدر من العلم، فترددت قليلا فى الاجابة على، ولكنها كانت منهارة فى البكاء، وتردد لماذا منعتنى اتركنى أتخلص من حياتى، وصممت على ان أعرف حكايتها لعلى أفيدها برأيى فى حل مشكلتها، وامام اصرارى قالت الفتاة سأروى لك قصتى، انا إسمى زهرة من إحدى القرى التابعة  لمركز المراغة بمحافظة سوهاج، حصلت على الثانوية العامة بمجموع يؤهلنى لدخول كلية الطب، وجاء تنسيقى فى كلية طب القصر العينى بالقاهرة.
فرحت جدا وبالرغم من معارضة والدى لاغترابى،  تمكنت بمساعدة أمى وأخى محمد الذى لم يكن له نصيب فى الالتحاق بالجامعة، وحصل على مؤهل متوسط، نجحت فى إقناع أبى فى الإلتحاق بالكلية وخصوصا أننى سوف أقيم، عند خالتى زينب، والتى لم يكن لديها سوى بنتين فى سن متقارب من سنى، الكبرى تدعى بسمة تكبرنى بعام، والصغرى أمل تصغرنى بثلاثة  أعوام، وزوج خالتى مسافر للعمل فى دول الخليج ولا يأتى سوى شهر واحد فى الصيف، ويكون ذلك أثناء أجازتى الصيفية، فكانت الظروف مهيأة لى للإقامة عند خالتى، فوافق والدى، وبالفعل ذهبت للقاهرة، والتحقت بكلية الطب.

المنظر الثالث فى كلية طب القصر العينى 

وفى الكلية تعرفت على زميلتى ندى، فتاة من القاهرة، والتى لها الكثير من الأصدقاء الشباب، وهو ما كان غريبا على بحكم نشأتى فى الصعيد، ولأننى كنت أريد أن أكون على قدر الثقة التى أعتطها لى عائلتى، رفضت أن يكون أصدقاؤها أصدقائى، وطلبت منها ألا تحرجنى أمامهم، وتضغط على للاجتماع معهم وأن تخصص وقت لى منفصل عنهم، على أن يكون ذلك بيننا ولا تشعرهم بشئ، وقد كان، وكنت اذا حضر أصدقاؤها أستأذن بلطف بحجة أننى أذهب الى مكتبة الكلية لاذاكر، لأننى لا أخذ كورسات مثلهم، وأننى أعتمد على نفسى، وتكررت هذه المواقف بيننا، حتى لفت تصرفى انتباه أحد أصدقاء ندى، ويدعى عادل، وانتظر حتى انصرف باقى الأصدقاء وأصر على ندى أن يعرف قصتى ولماذا أنا دائما أتهرب من الاختلاط بهم، فحكت له ندى قصتى وأننى أرفض أن يكون لى أصدقاء من الشباب، وأننى أجعل ذلك سرا بينى وبينها، لأننى لا أريد أن ينظروا لى على أننى رجعيه أو متخلفة، وأن الموضوع هو عدم وجود وقت لدى للاختلاط.

وذات يوم، وأثناء وجودى فى الكلية حضر عادل وكانت ندى قد تأخرت فى ذلك اليوم، ووجدنى أجلس وحيدة، وأستأذن فى أنه يود أن يحدثنى فى أمر فسمحت له، وجلس معى، وصارحنى بأنه تحدث مع ندى عنى، وعرف أننى من ضواحى مركز المراغة، وكانت الصدفة أنه أيضا من مركز المراغة، ولكنه من المركز نفسه، وأن والده طبيب مشهور لدينا يدعى الدكتور محمد عبد الوالى، ولدية مستشفى خاص فى المركز، ولكنه يعيش فى القاهرة، لأن  والده، يلحقه بالمدارس الأجنبية فى القاهرة، ولكنه يقضى الصيف، فى المراغة، واننى يجب أن اعتبره أخ لى، ولا أتردد فى اللجوء اليه اذا صادفتنى أى مشكلة، وعندما أنهى كلامه هما واقفا، ومعتذرا على اقتحام عزلتى وأنه أراد فقط ان يعرفنى بان لدى أخ فى الكلية، ثم انصرف بكل أدب واحترام، ولفت نظرى رجولته، وشهامته فى نفس الوقت. 

ومرت أيام على هذا اللقاء، ثم تكرر اللقاء عندما كنت أمسك بكتاب البيولوجى، وقد وقفت امام جزء لم استطيع استيعابه من الدكتور، وبينما أفكر، فاذا به يقف أمامى، ويسألنى باهتمام لاحظت أنكى مهمومة وأنا أراكى عن بعد، فهل هناك ما يشغل تفكيرك، وفوجئت بنفسى أجيبه بان هذا الجزء من البيولوجى هو الذى يشغل تفكيرى، فاذا به يمسك الكتاب من يدى، وينظر فيه، ويشرح لى بمنتهى السلاسه، والاتقان ما يقف أمامى، فاندهشت، فقال لى لا تندهشى، فأنا أخذ كورسات فى معظم المواد، ولا تترددى فى اخبارى بما يقف أمامك، ووعدته بذلك، وتكررت هذه المواقف حتى أننى كنت أنتظر خروجه من المحاضرات حتى يشرح لى، وبدأت اللقاءات ، تتكرر بشكل يومى حتى تعودنا اللقاء واختفى ما كان بيننا من خجل واحراج، وأصبح لقاءنا طبيعى ومنتظم بحكم انه يشرح لى، وكان زملائى يتفهمون الموقف، فلم يعلق أحد على لقاءنا، ومرت شهور من الدراسة على هذا الحال لقاءنا يومى لا يقطعه سوى يوم الجمعة فقط، وذات يوم، وكان يوم السبت، ذهبت إلى الكلية كالعادة، وجلست أنتظر حضور عادل، وأنتظرت، ولكن مر اليوم، ولم يأتى عادل.

المنظر الرابع فى منزل الخالة

ورجعت الى منزل خالتى لا أدرى ماذا بى أشعر بضيق شديد، ولا أدرى ما السبب لم أستطيع تفسير مشاعرى فى ذلك اليوم، وعند عودتى نظرت إلى خالتى بانزعاج شديد، وسألتنى ماذا حدث فقلت لها لماذا هذا السؤال وما مناسبته فأخبرتنى أن هناك علامات حزن شديد مرسومة على وجههى، ولكننى قلت لها أننى مرهقة فقط، وسوف اذهب لارتاح، ودخلت غرفتى أفكر هل يبدو على الانزعاج الى هذا الحد، وحاولت النوم، ولكننى لم أستطيع، فدخلت بسمة ابنة خالتى، وجلست بجوارى تحاول معرفة ما يزعجنى ولكننى بررت لها ذلك أيضا بانه ارهاق ليس الا، ثم دقت أمل الباب لتخبرنا بأن أمها قد حضرت الغداء، وأنها فى انتظارنا، ولكننى شعرت بعدم وجود شهيه لدى للطعام، فأخبرتهم بأننى أرغب فى النوم، وأننى أكلت بعض السندوتشات فى الكلية، وذلك للتهرب من الأكل، فتركونى وخرجوا، واستغرقت فى التفكير، لماذا كل هذا الحزن لعدم حضور عادل. 

المنظر الخامس فى كلية طب القصر العينى 

وفى صباح اليوم الثانى، أذهب الى الكلية فى فضول لمعرفة لماذا لم يحضر عادل، وانتظرت ولكنه لم يحضر أيضا ، وأنا أحاول أن أبدو طبيعية حتى لا يستغرب زملائى من حزنى، ومرت ثلاثة أيام على هذا الحال، وبينما كنت أجلس، ومستغرقه فى أفكارى،  فشعرت بخطوات تتجه نحوى وأرفع رأسى لأجد عادل يقف أمامى ودون ان أشعر سبقتنى دموعى، واذا بى بتلقائية أسأله أين كنت، لماذا تركتنى هكذا دون انذار، وحين تنبهت للكلمات التى تخرج من فمى، كان عادل يتهلل وجهه من الفرحة لما بدر منى، ويخبرنى بان والدته كانت مريضة، وكان عليه البقاء بجانبها لمنابعة مواعيد الدواء.

 وحاولت أن أبرر له إنشغالى عليه، فإذا به يقول لى أرجوكى لا تفسدى على تلك اللحظة التى لم أكن أحلم بها، فانا أحبك وكنت أخفى عنك مشاعرى خوفا من ان أفقدك، وفضلت البقاء بجانبك أكتم حبى على أن أفقدك، وها أنا أرى الحب فى عينيكى، وهذا يكفينى، وأعدك يا حبيبتى ألا أجعلك تندمين على هذه اللحظة، وأنا على استعداد أن أذهب إلى والدك، وأطلب يدك، فقلت له إن فعلت ذلك، تكون قضيت على حلمى بأن أصبح طبيبة مشهورة، فقد يحرمنى والدى من أستكمال دراستى، فقال لى وماذا نفعل، فقلت له مشاعرنا تبقى دفينه بداخلنا، ونستمر كما نحن، فنحن مازلنا فى السنة الاولى وأمامنا سبع سنوات لننهى دراستنا، وبعدها نقرر، كيف سيكون التصرف وقتها، ومرت السنوات، وزهرة وعادل على ذلك الوضع يفترقان فقط فى أجازة الصيف، ثم يعودان للدراسة معا، وقد تعاهدا على التفوق سويا، وجاءت اللحظة التى طال انتظارها وهى امتحان السنة الهائية لكلية الطب، وانهيا الإمتحان، وحتى أخر يوم، فى الإمتحان طلب عادل من زهرة أن يذهبا سويا لمكان هادئ حتى يقرران معا ماذا سيفعلان فى مستقبلهما معا.

المنظر السادس فى النادى

وأصطحبها عادل الى نادى بعيدا عن الكلية حتى لا يقابلا أحدا يعرفهما، وجلسا سويا ليقرران ماذا سيفعلان، فقال لها عادل أنه سبق وحدث والده عنها، وأتضح أنه يعرف والدها عندما ذكر له اسمه عبد القادر إسماعيل المراغى، وأنهما يعرفان بعضهما معرفة شخصية، ويتبادلان الاحترام والمودة، وحين يفاتحة فى أمر الزواج لن يمانع، ففرحت زهرة كثيرا بما سمعت، واخبرها عادل بأنه سوف يسافر بعد إسبوع مع والدته لاجراء عملية دقيقة فى ألمانيا وسوف تستغرق فترة نقاهه شهر، وبعدها سوف يعود، ويصطحب والده، ويذهبان إلى  بلدتها لطلب يدها من والدها، وافترقا مودعين بعضهما الأخر  على أمل اللقاء بعد شهر تقريبا، كما اتفقا.

المشهد السابع فى منزل الخالة

وعادت زهرة ويملؤها الأمل فى اللقاء المرتقب، ودخلت منزل خالتها لتجد مفاجأة غير متوقعة فى إنتظارها، وجدت والدها، وأخيها محمد فى إنتظارها، فسألت عما أتى بهما، وخصوصا أنها كانت على وشك السفر فى الأسبوع القادم بعد أن تقضى بعض الوقت مع بنات خالتها، بعد أن أنهت الإمتحانات، فرد الاب، ان خطيبك فى إنتظارك، ولاداعى للتأخير أكثر من ذلك، فردت زهرة وهى مندهشه، خطيببى وهل أنا مخطوبة، نعم مخطوبة يرد الأب فى حدة واضحة، تنظر زهرة إلى  أخيها بنظرة عتاب كيف دون علمى، فيرد الأخ بنفس حدة الأب وهل لديك رأى فى هذا هل إقامتك فى القاهرة جعلتك تنسى عاداتنا، وتقاليدنا، لقد طلبك خطاب ابن عمك، وقد وافقنا، أنا ووالدك، فهو أنسب أولاد أعمامك لكى فهو مدرس لغة عربية، وعلى قدر من العلم والثقافة، فردت زهرة ولكن الزواج لم يكن فى حساباتى الأن، فيقف الأب ويقول فى حدة تعليم وخلصتى ودخلتى كلية الطب اللى كنتى عاوزاها، ما تنسيش إن البنت للبيت، والجواز، فى نهاية الأمر، فقالت له أنها غير راضية عن هذا الزواج، وقبل أن يرفع الأب يده لينزل صفعة قوية على وجه زهرة، تقف الخالة بينهما، وتقول معلهش يا حج المفاجأة كانت شديدة عليها، وحاول الأب أن يصل إلى  زهرة ولكن الخالة منعته ووقفت حائل بينهما.

وأخذت زهرة إلى  الداخل، وقالت سوف أساعدها على تحضير نفسها للسفر، وأدخلتها الغرفة وقالت لها للأسف ياأبنتى هذه هى العادات، ومهما وصلت البنت فى التعليم، ستظل مصيرها البيت، والزواج، وأنصحك ألا تحاولى الوقوف فى وجه أبيكى، فذلك لن يغير من الأمر شيئا، وساعدتها هى وبسمة على تجهيز حقيبتها، ودموعهم جميعا تسيل على ما حدث، وعلى الفراق أيضا، ودعت زهرة خالتها، وبناتها وذهبت مع والدها، وأخيها، وهى لا تعلم أين تذهب ولا ماذا تفعل كيف تصبح زوجة فى يوم وليلة لابن عمها الذى بالكاد كانت تراه، ولا تعرف عنه شيئا، منذ سبع سنوات، وكيف تنسى حب سبع سنوات متواصلة، وهى التى لم تعرف الحب قبله.

المنظر الثامن فى القطار 

 وركبت القطار معهم والأفكار تدور فى رأسها حتى أتتها فكرة الانتحار، ونظرت زهرة لعم صابر، فى عتاب لماذا لم تتركنى أنهى حياتى، فقال لها عم صابر بعد ما وصلتى له من العلم مازلتى تفكرى بهذه الطريقة إذا  والدك معذور ايضا فى طريقة تفكيره، هناك طرق كثيرة تستطيعين حل مشكلتك بها غير الانتحار،  وتتركى عائلتك يحملون العار لأن الناس سوف يظنون بك السوء على ذلك الفعل، واكمل حديثه يجب أن ترسلى لعادل تحكى له ما حدث لعله يجد الحل، فردت زهرة وكيف أصل إليه لقد أخذونى على عجل، ولم أستطيع التفكير، وليس لدى أى وسيلة يمكن أن أتواصل مع عادل بها، ليرد عم صابر اعطنى عنوانه، وأوعدينى بأنك لن تفكرى أن تؤذى نفسك مرة أخرى، وأنا سوف أصل اليه بإذن الله قبل ان يسافر، فتهلل وجه زهرة من الفرحة لما سمعته من عم صابر، وقالت له صحيح سوف تساعدنى؟ حقا سوف تذهب لعادل أنا لا أصدق، ويرد عليها عمك صابر عبدالدايم لا يكذب أبدا لترد زهرة أنا لا أكذبك يا عم صابر أنا أكذب نفسى، فأنا لا أصدق ما أسمع.

قال لها عم صابر الأن أرجعى إلى مقعدك وكأن شيئا لم يكن، وحاولى أن تكونى طبيعية، قالت زهرة ولكنهم قد يكونوا استيقظوا الأن، فيقول لها عم صابر أخبريهم بأنك كنتى فى دورة المياه، وبالفعل رجعت زهرة لتجد أخيها يقف فى وسط  العربة ليبحث عنها، واذا به يصرخ بها أين كنتى، لترد زهرة كنت فى دورة المياه، ليعنفها أكثر كيف تذهبين بمفردك، لماذا لم تيقظينى لأذهب معك، فردت زهرة لم أريد أن أتعبك، ويأخذ بيدها ليعيدها لمكانها فتنظر خلفها لتجد عم صابر يراقبها من بعيد، ويبتسم لها، ويهز رأسه مطمئنا إياها بأنه سوف ينفذ ما اتفقا عليه بعد أن أعطته زهرة عنوان فيلا عادل كما وصفه لها عادل، وابتسمت زهرة ابتسامة رضا وشكر لعم صابر، وعادت مع أخيها لمقعدها. 

المنظر التاسع فى قرية زهرة

بعد ان وصل القطار المحطة فى مركز المراغة، نزلت زهرة بصحبة والدها، وأخيها، وركبوا سيارة أجرة حتى قريتهم، ودخلت زهرة المنزل، وارتمت فى أحضان والدتها، وهى تبكى وتبادرها الام بالسؤال لماذا البكاء يا حبيبتى فأنتى أصبحتى دكتورة أد الدنيا، وكمان هفرح بيكى وأشوفك عروسة، لتزداد زهرة فى البكاء، وترتسم علامات العبوس على وجه الأم، وتقول لزهرة ماذا بكى يا ابنتى وترد زهرة على أمها انها لا تريد الزواج الأن، فهى تحلم بالشغل وفتح عيادة وتحقيق حلمها أولا، لترد الأم بنفس الشدة والصرامة التى رأتهم زهرة من والدها، وأخيها، وهل للبنت حلم أكبر من الزواج، اخرجى هذه الخرفات من رأسك قد تسببين بمقتلنا أنا وانتى وموضوع شغلك زوجك من يقرره، ولا أريد أن أسمع منك شيئا أخر، فتصمت زهرة فأمام شدة الأم لم تجرؤ زهرة على أن تحكى لها ما مرت به، فهذا لن يغير من الأمر شيئا، فتصمت زهرة وليس بيدها سوى الإنتظار، لعل عم صابر يستطيع إنقاذها، وفى المساء يأتى خطاب، ليرحب بخطيبته، وتدخل أم زهرة عليها غرفتها لتخبرها بأن خطيبها بالخارج ويريد ان يسلم عليها، وتخرج زهرة على خطاب الذى تهلل وجهه عند رؤية زهرة، التى خرجت عليه بوجهها الذى يشبه وجه القمر، ويقول لها الحمد لله على سلامتك يازهرة ومبروك التخرج إن شاء الله، وترد زهرة ونبرة الحزن تملأ صوتها، ووجهها أيضا الله يبارك فيك يا خطاب، وتعود مسرعة لحجرتها تاركه خطاب فى حيرة، لما رأه من زهرة هل هو خجل بنات الصعيد ام حزن وجلس خطاب مع عمه وابن عمه،وهو فى حيرة من أمر زهرة.

المنظر العاشر فيلا عادل بمصر الجديدة

وعند عودة عم صابر من رحلة العودة، نزل فى محطة مصر، ولم يتوجه إلى منزله ليأخذ قسط من الراحة بعد هذه الرحلة الشاقة ذهابا، وإيابا، بل أخذ تاكسى وتوجه مباشرة الى العنوان الذى وصفته زهرة حسب وصف عادل لها، ويصل الى الفيلا ويسأل بواب الفيلا عن عادل ليخبره البواب بأنه خرج منذ قليل، ولا يعرف متى سيعود، فيتردد عم صابر هل ينتظره، ام يذهب ليستريح من ارهاق السفر، ويعود له فى وقت أخر، ولكن قد لا يكون هناك وقت اخر فقد يسافر عادل دون ان يراه أو يعجل والد زهرة فى اجراءات زواجها، وفى الحالتين يكون قد اخلف وعده مع زهرة بأنه سوف يساعدها، ووسط حيرة عم صابر يقاطعه البواب قائلا من انت وماذا تريد فيخبر البواب بانه يريد عادل فى امر هام جدا لا يحتمل التأخير، وأنه سوف ينتظر عودة الدكتور عادل، ويرد البواب بأنه عادة يتأخر، ولم يتحمل عم صابر الانتظار فيقرر كتابة ورقة للبواب ليعطيها لعادل وقال للبواب هذه مسألة حياة أو موت، فإذا نسيت أن تعطيه هذه الورقه سوف يغضب منك الدكتور عادل كثيرا، ليأكد له البواب أنه سوف يجلس هنا ولن يدخل حتى يعطى الورقة للدكتور عادل، ويترك عم صابر ورقة للبواب، ويقول فيها عزيزى الدكتور عادل أنا صابر عبد الدايم محصل قطار الصعيد معى رسالة هامة من صديقك عبد القادر إسماعيل  المراغى من مركز المراغة، وهى مسألة حياة أو موت أنتظرك فى هذا العنوان، ٦ شارع درب الجماميز بالسيدة زينب

المنظر الحادى عشر شارع درب الجماميز بالسيدة زينب 

ورجع عم صابر لبيته، يجمع بين التعب والارهاق من رحلته الشاقة، وبين القلق من ان ينسى البواب ان يعطى عادل الورقة، ويتسأل ماذا لو نسى البواب ان يعطى عادل الورقة، وماذا إذا اخذ عادل الورقة ولم يهتم لإنقاذ زهرة، ترى هل فعلا هو رجل شهم كما وصفته زهرة، ماذا لو كان يوهمها، وقطعت زوجته عليه إستغراقه فى أفكاره، وطلبت منه ان يجلس لتناول الطعام، وجلس عم صابر وتناول طعامه، ودخل حجرته ليرتاح قليلا من عناء السفر، وحاول عم صابر النوم وهو يفكر فى كل الاحتمالات، ويعتليه القلق و الخوف الا يتمكن من مساعدة زهرة، وقرر ان يأخذ قسط من الراحة، وسوف يتوجه بعد أن يستيقظ فى الصباح الباكر ولن يغادر من أمام الفيلا إلا إذا قابل عادل، ويرى رد فعله على ما حدث لزهرة،  ثم استغرق عم صابر فى النوم، فقد غلبه التعب والارهاق، حتى كانت الساعة الواحدة منتصف الليل، يفيق عم صابر على جرس الباب المتواصل، وسط ذهول زوجته وأولاده من يمكن ان يدق الجرس بهذه الطريقة فى هذه الساعة المتأخره، وكان عم صابر قد وصل امام الباب ففتح، ليجد أمامه شاب وسيم، تظهر عليه علامات الحيرة والقلق عرفه عم صابر من النظرة الاولى فهو كما وصفته زهرة له يجمع بين المتناقضات، فسأل الشاب انت عم صابر، ليرد عم صابر أيوة أنا يا دكتور عادل.

 ويستغرب الدكتور عادل هل تعرفنى، ليرد عم صابر تخيلتك كما وصفتك زهرة، ليزداد عادل حيرة وقلق زهرة ماذا بها وما هو هذا الموضوع الذى هو مسألة حياة اموت وكيف تعرف زهرة، قاطعه عم صابر قبل أن يكمل باقى أسئلته، تفضل يا دكتور بالدخول وسوف أشرح لك كل شئ، وأشار عم صابر لزوجته، وأولادة بالدخول لحجراتهم، وطلب من زوجته أن تعد لهم الشاى، والا يزعجهم أحد وطمأن الجميع أن هذا صديق يحاتجه فى حل مشكله، وقدمت لهم زوجة عم صابر الشاى، وعادل لا يطيق صبرا، فيحث عم صابر أن يشرح له ماذا حدث، يشرح له عم صابر كل شئ بالتفصيل من اللحظة التى ودعته فيها زهرة حتى نزلت فى محطة مركز المراغة، وعادل عيناه تترقق الدموع بهما على ما واجهته زهرة حبيبته الرقيقة بمفردها، وعم صابر يملؤه الأمل بما لاحظه على وجه عادل فقد ساوره الشك للحظات من ألا يكون عند حسن ظن زهرة به، فيهب عادل واقفا ويمد يده ليصافح عم صابر ويشد على يده ويشكره على معروفه مع زهرة، وتعبه فى الوصول إليه ليخبره ما حدث، وطمئن عم صابر بأنه لن يترك زهرة مهما تكلف الأمر وخرج عادل وتوجه لمنزله، وأيقظ أبيه وأمه، وحكى لهم القصة من بدايتها حتى ما وصل إليه، ونهض أبيه من مكانه واقفا، وطلب من عادل أن يجهز نفسه فسوف يسافرون بالطائرة فى الصباح الباكر ليلحقا بزهرة، وأتصل والد عادل بصديق له ليجهز لهم تذكرتين على أول طائرة تغادر لمطار الأقصر، وهو أقرب مطار لسوهاج فى ذلك الوقت، ومنها سوف يذهبون لسوهاج.

المنظر الثانى عشر فى قرية زهرة 

 واسرع عادل وجهز نفسه للسفر، وسافر مع ابيه، حتى وصلا لمنزل زهرة، وجلس والد عادل مع والد زهرة ليطلب يدها لابنه الدكتور عادل ليرد والد زهرة ان هذا النسب كان ليتشرف به لولا انه أعطى كلمه لابن أخيه ولا يستطيع الرجوع فيها، وانت تعرف العادات والتقاليد يا دكتور محمد، والتى لا يمكن تغييرها، ويطلب منه والد عادل أن يأخذ وقت ويعيد التفكير وسوف ينتظران فى منزلهما بمركز المراغة، ويستأذن عادل ووالده، ويدخل والد زهرة عليها غرفتها، لينهرها، هل كنتى ترفضين الزواج لهذا السبب، هل بينك وبينه شئ، وزهرة تنهار فى البكاء، وهى تحلف لأبيها أنها لم تخن ثقته فيها، ولم تفقد احترامها لنفسها، وأنها مازالت ابته التى يفتخر بأخلاقها، وتركها الأب غاضبا، وخرج.

وجلس عادل  مع والده، يتحدثان فيما حدث، ويسأل الوالد عادل ماذا تنوى عمله يابنى بعد ذلك، فأنا أنا أعلم والد زهرة جيدا هو لم يغادر بلدته مطلقا، وتربى على تقاليد صارمة، ولا يمكنه تغيير العادات، والتقاليد، وأصدقك القول يابنى أنا أعطيه العذر فى ذلك، فمن عادات الصعيد أن البنت أولى بها ابن عمها، ولا أحد يجرؤ على تخطى العادات، فالرجل لديه عذره، فرد عادل معنى كلامك يا والدى أن أستسلم للأمر الواقع، هل هذا ما تريده منى، فيرد الوالد ليس أمامك سوى هذا يا عادل، ولكن كيف يا أبى؟ كيف أترك زهرة ؟

فيجيب الوالد لقد فعلت ما يجب عليك فعله أمام زهرة، ولن تلومك لأنك لم تقصر وهذا قدركم يا عادل ويجب أن تقبل به، لأن أى محاولة أخرى قد تعرض زهرة وسمعتها للخطر، فأنت لا تعلم، الكثير عن العادات، والتقاليد هنا فأنت تربيت وعشت معظم سنين عمرك فى القاهرة، فرد عادل لا يا أبى أنا لن أستسلم بهذه السهولة هناك شيئا أخر يجب أن أفعله، ويقول الأب ولكن إحذر يا عادل قد تتسبب فى مشاكل لزهرة، يجيب عادل إطمئن يا أبى فأنا أعلم ماذا أفعل، هى محاولة أخيرة فقط، وبعدها أعدك أن نسافر القاهرة وننسى الأمر.

وخرج عادل متجها لقرية زهرة، وينزل القرية فيقابل أحد شباب القرية، ويسأله هل تعرف منزل خطاب ابن أخ الشيخ عبد القادر المراغى، فيجيبه الفتى أنه معلمه، ويعرفه تمام المعرفة، فيسأله عادل أين يمكن أن أجده الأن، فيرد الفتى، الأستاذ خطاب عادة فى هذا الوقت، يجلس مع أصدقاءه على مقهى فى القرية، فيعرض الفتى على الضيف أن يصطحبه، ليريه الطريق للمقهى، وبالفعل يذهبا إلى المقهى، ويجدا خطاب كعادتة يجلس مع أحد أصدقاءه، فينادى الفتى على استاذه، ويخبره أن هناك ضيف يسأل عنه، ويسرع خطاب نحو عادل، ويرحب به، ويسأله عما يمكن أن يقدمه له، فيطلب منه عادل أن يتمشيان سويا للحديث فى مكان لا يسمعهم فيه أحد، فيمشى خطاب مع عادل، إلى منطقة زراعية، يتمشيان فيبدأ عادل بالتعريف عن نفسه أن عادل ابن الدكتور محمد عبد الوالى، وسوف أتخرج قريبا من كلية الطب، فيعرفه خطاب لأن والد عادل دكتور مشهور فى المركز، والكل يعرفه.

ويستمر عادل فى الحديث، ويقول لقد سمعت عنك قبل أن أقرر أن أتحدث معك، ولولا ما سمعته عن ثقافتك، وأخلاقك الحميدة، وشهامتك ما كنت  تحدثت معك، فيندهش خطاب من حديث عادل، ويقول له خير يا دكتور كلامك يدل على أن هناك أمر كبير، فيرد عليه عادل سوف أحكى لك قصتى ولك الحكم، وحكى عادل قصته مع زهرة بإختصار شديد، وانه أعجب بها من السنة الأولى، وإنتظر حتى ينهيا دراستهما، فيثور خطاب، وتأخذه الحميه الصعيدية، وصرخ على عادل ماذا تقول أنت، هل زهرة على علاقة معك، هل وضعت رؤسنا فى الطين، هل كانت تدرس، أم تعشق، فيخرج عادل من جيبه مصحف صغير، ويقول لخطاب لقد توقعت أن تقول ذلك.

هذا كتاب الله أقسم لك عليه، أن إبنه عمك أشرف فتاة قابلتها فى حياتى، وأنها أبدا لم تتخلى عن تربيها الصعيدية، وإن سبب إعجابى بها هو ماشهدته منها من أخلاق عالية، فكانت تتجنب إجتماعات الشباب، وكانت ترفض الإختلاط، وهذا ما جذبنى إليها لا تنسى أن الرجل الصعيدى مهما وصل من العلم، لا يتخلى عن مبادئه التى تجرى فى دمه، ولو كانت زهرة فتاة سهلة ما كنت إنتظرتها كل تلك السنوات وأعلم أنك تحب زهرة كأخيها، وأن موضوع زواجك منها هى عادات وتقاليد فقط، وأعلم أنك بزواجك من زهرة قد تقضى على حلمها بأن تصبح جراحة مشهورة، فظروف عملكما مختلفة، وسوف تكون عقبة فى طريق حلمها.

وغير ذلك هل تقبل الزواج من فتاة تعلم تمام العلم أنها تفكر فى شخص أخر، هل تقبل أن تكون سببا فى تعاسة زهرة وحرمانها من الحلم الذى طالما حلمت به، أن أقدر ما تشعر به الأن، ولكنى أثق فى رجاحة عقلك، لقد وضعت مصيرى ومصير زهرة بين يديك، وسوف أنتظر حتى الغد، وبعد غد سوف أعود للقاهرة لأننى سوف أسافر ألمانيا بوالدتى لإجراء جراحة دقيقة لها، ولا أستطيع تأخيرها، فقرر ماذا سيكون من أمرنا، وأعدك إن كان قرارك بالمضى فى زواجك من زهرة بأنك لن تسمع عنى مرة أخرى وسوف أحترم قرارك، وأستسلم لما كتبه الله لنا، وإن وقفت بجانبنا سوف أحفظ لك هذا الجميل وسوف نصبح أصدقاء، ولن أنسى معروفك طول العمر.
يذهب خطاب لمنزل عمه  فى حيره من أمره لا يدرى ماذا يفعل، ويدخل على عمه، الذى يقول يا خطاب هل حددت الموعد الذى يناسبك للزواجك، فيرد خطاب لا داعى للعجله يا عمى، دعنا نعطى زهرة فرصة لتستريح من ضغط الإمتحانات فيندهش العم من ابن أخيه الذى رباه منذ وفاة والدة، وهو طفل صغير، ويقول له ماذا تقول يا ولد، فيرد خطاب هذا زواج ياعمى، والشرع حلل لنا ان نجلس ونتكلم، وأشترط القبول لإتمام الزواج، فينظر العم إلى  ابن أخيه، ويقول هل سمعت شيئا عن ابنة عمك، وتريد أن تغير رأيك، فيرد خطاب حاشى لله يا عمى زهرة ست البنات، أنا أريد ان أجلس معها فقط، كانت زهرة تسترق السمع من وراء الباب، وقد فهمت من حديث خطاب أن عادل ربما تحدث معه، ورجعت مسرعة إلى حجرتها فمن الممكن أن ينادى عليها والدها الأن.

وتدخل والدة زهرة عليها الحجرة لتخبرها أن خطاب بالخارج ووالدها يستدعيها، فتذهب زهرة، وتدخل على والدها، وتلقى التحية على الجميع وتجلس بعد أن أمرها والدها بذلك، ويخرج من الغرفة ويتركهما بمفردهما، وينظر إليها خطاب دون أن يتكلم، ويسود صمت دقيقة من الزمن قبل أن تنطق زهرة أنا سمعت حديثك مع أبى، وأشكرك على ثقتك فى، وأحلف لك أننى عند ظنك بى، والله على ما أقول شهيد، فيجيبها خطاب بأنه يعلم أخلاقها جيدا، وأنه قابل عادل، وشرح له كل شئ ويسألها ماذا تريد منه أن يفعل، وترد زهرة فى خجل لو أعلم أنك تحبنى لضحيت بأحلامى، وحبى وكرثت حياتى لاسعادك ولكننى أعلم أنها التقاليد فقط هى التى تلزمك بالزواج منى، وأعلم أنك لن تحرمنى من تحقيق حلمى، فأنت دائما كنت عونا لى أمام أبى منذ أن كنا أطفال، وكنت تدعونى بأختى امام الأطفال أثناء اللعب، فكيف يتغير ذلك الأن.

يبتسم خطاب، ويقول لها طول عمرك كلامك جميل يمس القلب، وقادرة على الإقناع، لا تقلقى سوف أقف بجانبك ولا تخشى شئ، وانا بجانبك، فتهلل وجه زهرة وشكرت خطاب على موقفه، وخرجت تملؤها السعادة، ودخل الشيخ عبد القادر
على ابن أخيه وسأله ماذا قررت يا خطاب، فيقول له خطاب إسمع يا عمى أنا لم أرى والدى، وانت من ربيتنى، وعلمتنى، ولم تفرق يوما بينى وبين أولادك، وأنا أرى أننا نظلم زهرة بهذه الزيجة، فيغضب الشيخ عبد القادر ، ويصرخ بخطاب هل جننت كيف نظلمها، ويرد خطاب لن تظلمها وحدها يا عمى بل تظلمنى انا أيضا، يرد عمه، هل زواجك من زهرة ظلم، قال خطاب يا عمى زهرة دكتورة لديها طموح بأن تصبح جراحة شهيرة.

 وزواجها منى سوف يقتل هذا الطموح، فهى لن ترضى ان تحقق طموحها على حساب راحتى فهى سوف تؤثر راحتى على طموحها، وسوف أعيش أنا بعقدة الذنب طول عمرى بأننى حرمتها من أحلامها، قد ياتى اليوم الذى تصبح فيه زهرة جراحة عالمية، ونفتخر بها انا، وأنت، ونضحك على ما كنا ننوى فعله بها من أن تصبح ربة منزل تطبخ، وتربى الأطفال، فقط، فيرد عمه ولكن يا ولدى هذه الوظيفة الأساسية لكل فتاة، فيرد خطاب ليست كل الفتيات ياعمى، الفتيات الطموحات مثل زهرة يكون لها أهداف أكثر من ذلك بكثير، فيسأله عمه، فماذا ترى يا ابن أخى، قال له يا عمى عادل هو أنسب زوج لزهرة، وسوف يحققا طموحهما سويا، ويكفى أنه صعيدى مثلنا ويعرف عاداتنا، وتقاليدنا، والدكتور محمد عبد الوالى، أنت أعلم الناس به، رجل يشهد له الكل بالأخلاق الحميدة، والاحترام، سوف أذهب اليه يا عمى، وأبلغه بأنك بإنتظاره لتحددا معا موعد زفافهما، فما كان من والد زهرة الا الإقتناع بكلام خطاب، ودخل محمد، وحكى له خطاب ما حدث عمه به، فما كان من محمد الا الإقتناع بكلام خطاب فهو بمثابة الأخ الكبير، ورأيه هو الصواب.

وعلى الفور ذهب خطاب لفيلا الدكتور محمد عبد الوالى، فى المركز، وقابله عادل بالترحاب، وهو لا يعرف بعد ما هو قراره، ثم سأل خطاب على الدكتور محمد، واستدعاه عادل فدخل الدكتور محمد ورحب بخطاب، وعرفه عادل بخطاب، وجلسا وعادل يملؤه الفضول، والخوف، والقلق من الذى سوف يقوله خطاب، وبعد الترحيب قال خطاب: يا دكتور محمد عمى يبلغك بأنه بإنتظاركم غدا، لتحددوا سويا، موعد زفاف الدكتور عادل على ابنة عمى الدكتورة زهرة، فتبسم الدكتور محمد، وطار عادل من الفرحة فهو لا يصدق ما يسمعه، ويقف الدكتور محمد احترام لخطاب، وقال له يا بنى أعلم ان رجال الصعيد كلهم رجولة وشهامة، ولكن فى رجولتك وشهامتكوحرصك على مصلحة ابنة عمك حتى ولو على حسابك الشخصى لم أرى فى حياتى، جزاك الله خير الجزاء، و قام عادل واحتضن خطاب، ويقول شكرا يا أخى لن أنسى معروفك ما حييت.

 المنظر الثالث عشر فى كشك التحويلة 

يعتدل ناظر المحطة فى جلسته، وهو يبتسم، ويسأله أمين فى لهفه، وكيف عرفت كل ذلك يا عم صابر، ليرد عم صابر، مرت سنوات بعد أن جاء عادل إلى منزلى، وذات يوم وجدت جرس الباب يدق وعندما فتحت وجدت الدكتور عادل أمامى يبتسم، وبجانبه زهرة وطفلين بنت وولد مثل الملائكة، و وهو يقول هل تفتكرنا يا عم صابر، ففكرت للحظة، ولكن سرعان ماتذكرتهما، وقلت طبعا يا دكتور عادل اهلا وسهلا ازيك يا دكتورة زهرة،  فرحت جدا برؤيتهم، وحكوا لى كل شئ حتى تم الزواج، وسافرا سويا لاستكمال دراساتهما بالخارج، وخلال هذه الفترة أنجبا الطفلين، وأول ما فعلوه بعد عودتهما، هو زيارتى، وشكرونى على ما فعلته معهم، فقال أمين قصة عجيبة فعلا يا حضرة الناظر، ووقف حضرة ناظر المحطة، وهم بالإنصراف مودعا أمين، أراك فى القريب العاجل إن شاء الله.
تمت.
إقرأ أيضا : حلم الدهابة

تعليقات

إرسال تعليق